السيد الطباطبائي

166

تفسير الميزان

قوله تعالى : ( وآتيناهم بينات من الامر ) إلى آخر الآية المراد بالبينات الآيات البينات التي تزيل كل شك وريب تمحوه عن الحق ويشهد بذلك تفريع قوله : ( فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم ) . والمراد بالامر قيل : هو أمر الدين ، و ( من ) بمعنى في والمعنى : وأعطيناهم دلائل بينة في أمر الدين ويندرج فيه معجزات موسى عليه السلام . وقيل : المراد به أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمعنى : آتيناهم آيات من أمر النبي وعلامات مبينة لصدقة كظهوره في مكة ومهاجرته منها إلى يثرب ونصرة أهله وغير ذلك مما كان مذكورا في كتبهم . وقوله : ( فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ) يشير إلى أن ما ظهر بينهم من الاختلاف في الدين واختلاط الباطل بالحق لم يكن عن شبهة أو جهل وإنما أوجدها علماؤهم بغيا وكان البغي دائرا بينهم . وقوله : ( إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ) إشارة إلى أن اختلافهم الذي لا يخلو من اختلاط الباطل بالحق لا يذهب سدى وسيؤثر أثره ويقضي الله بينهم يوم القيامة فيجزون على حسب ما يستدعيه أعمالهم . قوله تعالى : ( ثم جعلناك على شريعة من الامر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون ) الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ويشاركه فيه أمته ، والشريعة طريق ورود الماء والامر أمر الدين ، والمعنى : بعد ما آتينا بني إسرائيل ما آتينا جعلناك على طريقة خاصة من أمر الدين الإلهي وهي الشريعة الاسلامية التي خص الله بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمته . وقوله : ( فاتبعها ) الخ ، أمر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم باتباع ما يوحى إليه من الدين وأن لا يتبع أهواء الجاهلين المخالفة للدين الإلهي . ويظهر من الآية أولا : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مكلف بالدين كسائر الأمة . وثانيا : أن كل حكم عملي لم يستند إلى الوحي الإلهي ولم ينته إليه فهو هوى من أهواء الجاهلين غير منتسب إلى العلم . قوله تعالى : ( إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا ) الخ ، تعليل للنهي عن اتباع أهواء الذين لا يعلمون ، والاغناء من شئ رفع الحاجة إليه ، والمحصل : أن لك إلى الله سبحانه حوائج ضرورية لا يرفعها إلا هو والذريعة إلى ذلك اتباع دينه لا غير فلا